حيدر حب الله
458
نظرية السنة في الفكر الإمامي الشيعي
عن رأيه في أصل نظرية الوهن فيما بعد ، كما أشرنا سابقا . ثانيا : إذا كانت نظرية الوثوق هي المرجع المعرفي لمقولة الوهن فمن المفترض أن يحصل تلاق - بل وتلازم - بين نظريتي الانجبار والوهن أيضا ، لأننا لاحظنا في نظرية الانجبار علاقة وطيدة أيضا بين الوثوق والجبر ، وبهذا تكون نظرية الوثوق هي العنصر المنتج - دفعة واحدة - لنظرية الجبر والوهن معا ، مما يؤكد تلازمهما . من هنا ، وجدنا غالبية العلماء القائلين بنظرية الجبر ذاهبين إلى نظرية الوهن أيضا ، لكن مع ذلك ثمة رأي يذهب للتفكيك بينهما ، مثل باقر الصدر حيث ذهب للأخذ بنظرية الوهن دون نظرية الجبر ، محتجا بأن الخبر الضعيف السند لا تشمله أدلّة حجية خبر الواحد ، حتى لو عمل به المشهور ، آخذا ذلك بالخصوص من أستاذه الخوئي « 1 » . ويبقى كلام الشهيد مصطفى الخميني أكثر وضوحا حينما يصرّح - بقطع النظر عن رأيه في الوهن والجبر - بأن النظريتين لا تلازم بينهما « 2 » ، وهو تفكيك هام وصريح ، قلّما وجدنا من خصص له - مثل الشهيد الخميني - بحثا لدرسه ورصد معالمه . ثالثا : إن نظرية الوهن تفترض - جدلا - عدم حجية اشتهار الإعراض من طرف مشهور العلماء ، بمعنى أن الشهرة الفتوائية والعملية ليست حجة في نفسها ، فقد انقسم العلماء إزاء موضوع الشهرة إلى رأيين أساسيين - بعيدا عن بعض التفاصيل - ذهب أحدهما إلى القول بأن اشتهار حكم من الأحكام بين الفقهاء يعدّ في نفسه دليلا على الحكم نفسه ، ومن ثم يمكن عقب ذلك الإفتاء بمضمونه ، تماما كما لو قامت رواية صحيحة السند ومعتبرة على هذا الحكم نفسه ، وفي هذه الحالة لو عارض هذه الشهرة خبر صحيح السند كان ذلك كمعارضة خبر صحيح السند لخبر آخر صحيح السند يفترض فيه تطبيق قواعد تعارض الأحاديث واختلافها ، فيما ذهب الثاني إلى أن الشهرة لا قيمة لها في حدّ نفسها ، وهذا معناه أن معارضة شهرة ما لرواية صحيحة السند ، يعدّ من نوع معارضة شيء غير حجة لآخر حجة ، وفي هذه الحالة لا تطبق قواعد التعارض هنا ، لكن مع ذلك يطرح بحث هنا ، ذلك أن إسقاط الخبر الصحيح عن درجة الاعتبار ليس لأجل تعارضه مع دليل معتبر آخر ، بل لأنه بمعارضته لهذه الأمارة غير المعتبرة - على حد تعبير الهمداني - وهي الشهرة الإعراضية بين الفقهاء ، يفقد بعض خصوصياته التي بها اكتسب قيمته واعتباره ، فنحن لا نسقطه عن القيمة ترجيحا لدليل أقوى منه ، بل لفقده في نفسه خصوصية اعتباره ، ألا وهي الوثوق مثلا ، كما على نظرية الهمداني ، أو سمة الكاشفية النوعية كما على نظرية الصدر .
--> ( 1 ) - الصدر ، بحوث في علم الأصول 4 : 426 . ( 2 ) - مصطفى الخميني ، تحريرات في الأصول 6 : 395 .